محمد متولي الشعراوي
5803
تفسير الشعراوى
و تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي : جهة مدين . و « التلقاء » قد تأتى بمعنى اللقاء ؛ لأنك حين تقول : « لقيته » أي : أنا وفلان التقينا في مكان واحد ، وحين نتوجّه إلى مكان معيّن فنحن نوجد فيه . ويظن بعض الناس أن كل لفظ يأتي لمعنيين يحمل تناقضا ، ونقول : لا ، ليس هناك تناقض ، بل انفكاك جهة ، مثلما قال الحق سبحانه : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ « 1 » الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . . ( 144 ) [ البقرة ] والشطر معناه : الجهة ؛ ومعناه أيضا : النصف ، فيقال : « أخذ فلان شطر ماله » ، أي : نصفه ، و « اتجهت شطر كذا » ، أي : إلى جهة كذا . وهذه معان غير متناقضة ؛ فالإنسان منا ساعة يقف في أي مكان ؛ يصبح هذا المكان مركزا لمرائيه ، وما حوله كله محيطا ينتهى بالأفق . ويختلف محيط كل إنسان حسب قوة بصره ، ومحيط الرؤية ينتهى حين يخيّل لك أن السماء انطبقت على الأرض ، هذا هو الأفق الذي يخصّك ، فإن كان بصرك قويّا فأفقك يتّسع ، وإن كان البصر ضعيفا يضيق الأفق . ويقال : « فلان ضيّق الأفق » أي : أن رؤيته محدودة ، وكل إنسان منا إذا وقف في مكان يصير مركزا لما يحيطه من مراء ؛ ولذلك يوجد أكثر من مركز ، فالمقابل لك نصف الكون المرئى ، وخلفك نصف الكون المرئى الآخر ، فإذا قيل : إن « الشطر » هو « النصف » ، فالشطر أيضا هو « الجهة » .
--> ( 1 ) شطر الشئ : ناحيته ، وشطر كل شئ : نحوه وقصده ، وقصدت شطره أي : ناحيته . « و شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » : نحوه وتلقاءه . قال تعالى : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . . ( 144 ) [ البقرة ] . وشطر الشئ : نصفه ، والجمع : أشطر ، وشطور . وشطرته : جعلته نصفين . وشاطره ماله : ناصفه . وفي الحديث : أن سعدا استأذن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتصدّق بماله كله ، قال : « لا » قال : فالشّطر ، قال : « لا » ، قال : الثلث ، فقال . « الثلث ، والثلث كثير » . وفي الحديث : « الطّهور شطر الإيمان » أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري ( 223 ) ؛ لأن الإيمان يظهر بحاشية الباطن ، والطّهور يظهر بحاشية الظاهر . [ لسان العرب : مادة « شطر » - بتصرف ] .